الرئيسية / اسلاميات / الإسلاميون قادمون

الإسلاميون قادمون

الإسلاميون قادمون
الإسلاميون قادمون

نتائج انتخابات المغرب التشريعية التي جرت يوم 7 أكتوبر / تشرين الأول الجاري، وقبلها بشهر تقريبا نتائج الانتخابات التشريعية في الأردن، كلها أعطت الفوز للإسلاميين.

في المغرب تصدر إسلاميو حزب “العدالة والتنمية” نتائج الانتخابات عندما حصلوا على 125 مقعدا من أصل 395 مقعدا داخل البرلمان وهو ما يخول لهم، حسب الدستور المغربي، قيادة الحكومة لولاية ثانية تستمر خمس سنوات مقبلة.

يجب قراءة هذا “الانتصار” للإسلام السياسي عبر صناديق الاقتراع كمؤشر على العودة القوية للإسلاميين إلى المؤسسات السياسية داخل دولهم.

وفي الأردن حصل إسلاميو “التحالف الوطني للإصلاح” على 16 مقعدا من أصل 130 في مجلس النواب ليصبحوا أكبر كتلة معارضة داخل البرلمان الأردني.

وفي كلتا التجربتين المغربية والأردنية سنجد أن منافسي الإسلاميين الكبار في الانتخابات، رغم انتماء بعضهم إلى أحزاب سياسية بعضها يرفع شعارات اليسار أو شعارات ليبرالية، إلا أنهم في الحقيقة مجرد “أعيان” كما هو الحال في المغرب، أو “أبناء عشائر” كما هو الحال في الأردن، وفي كلتا الحالتين فهم موالين للسلطة ومدعومين منها أو يحظون برضاها وعطفها، والخلاصة الأولية هو أن التنافس، سواء في المغرب أو الأردن، كان بين حزبين كبيرين: حزب الإسلاميين، وحزب أعيان السلطة.

وما يفسر فوز الإسلاميين وتقدمهم في المغرب، وعودتهم من بعيد، بعد أن كانوا يقاطعون الانتخابات، إلى البرلمان في الأردن، هو أنهم القوة السياسية الوحيدة التي تقدمت إلى الانتخابات وهي تحمل مشروعا اجتماعيا متكاملا، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، بخلاف “القوى” الأخرى التي تقدم أصحابها فقط من أجل الظفر بمقعد داخل البرلمان.

لقد أعطت هذه الانتخابات، وقبلها الانتخابات المحلية في المغرب في سبتمبر / أيلول 2015، الأمل من جديد للإسلام السياسي في المنطقة العربية للعودة التدريجية إلى الحياة السياسية من خلال صناديق الاقتراع، بعد الانتكاسات التي عرفها أصحاب هذا التيار في مصر وتونس واليمن وليبيا، وبعد التشويه الذي ألحقته جرائم “داعش” بالإسلام السياسي وبالدين الإسلامي عامة.

لذلك، يجب قراءة هذا “الانتصار” للإسلام السياسي عبر صناديق الاقتراع كمؤشر على العودة القوية للإسلاميين إلى المؤسسات السياسية داخل دولهم، وهو أيضا دليل على أن كل “الانتكاسات” و”الأخطاء السياسية” وكل أنواع “التصدي” و”الانقلاب” و”محاربة” الإسلاميين في أوطانهم لم تؤتي أكلها، ولم تنل من شعبيتهم داخل بلدانهم. فالعرض الإسلامي مازال “مقبولا” وله زبائن بالرغم من كل محاولات “التشويه” و”التعتيم” و”الاستئصال”، ولو كتب لدولة مثل مصر اليوم أن تجرى فيها انتخابات حرة ونزيهة ويشارك فيها الإسلاميون لكانت المفاجئة أكبر.

طبعا، ليست هذه هي أول مرة يحقق فيها الإسلاميون انتصارا عبر صناديق الاقتراع، فقد سبق للإسلام السياسي أن وصل إلى السلطة بواسطة الانتخابات وباءت تجاربه بالفشل سواء في مصر أو تونس أو ليبيا، وفي كل هذه التجارب يتحمل الإسلاميون نتائج أخطائهم التي أدت إلى انقلاب عسكري في مصر قتلهم وشردهم وأدخلهم السجون، وإلى الإطاحة بهم من الحكم والحكومة في تونس، وإلى إدخال بلاهم في أتون حرب أهلية مازالت نيرانها مستعرة.

وفي المغرب والأردن يقود “الإسلاميون” ثورات هادئة عبر صناديق الاقتراع، وقد أتت إستراتيجيتهم هذه حتى الآن أكلها، وحتى الآن لا يلوح في الأفق ما يمكن أن يوقف “اكتساحهم” الديمقراطي الذي يتقدم تدريجيا لكن بخطى تصاعدية، أمام حالة النكوص التي تعيشها باقي التيارات السياسية التي يمكن أن تشكل منافسا حقيقيا أمامهم.

ففي مصر فقد “اليساريون” و”القوميون” و”الليبراليون” و”العلمانيون” الكثير من مصداقيتهم عندما اصطفوا خلف الانقلاب العسكري وصمتوا حتى الآن عن جرائمه في حق الشعب المصري، وفي تونس تعاني نفس التيارات من حالة تشتت وتمزق فرقتهم إلى شعوب وقبائل كل يحارب على جبهته منفردان وفي المغرب نخرت الانتهازية والوصولية والتملق إلى السلطة ما تبقى من أحزاب “يسارية” و”وطنية” إلا ما رحم ربك، ونفس الشيء في الأردن الذي يغلب فيه الولاء للسلطة والانتماء العشائري على الانتماء الإيديولوجي لدى من ينصبون أنفسهم منافسين أو خصوما للإسلاميين.

لقد سبق أن عددت بعض أسباب فشل تجارب الإسلام السياسي في التجارب التي أشرت إليها في مصر وليبيا وتونس. وحصرت تلك الأسباب في انعدام الثقافة الديمقراطية عند أصحاب هذا التيار، وغرور أصحابه المفرط بالقوة المفترضة في الشارع، وضعف كفاءة أطره، وقلة التجربة في تدبير الشأن العام أو انعدامها في حالات أخرى، وانتهازية ونفاق بعض فصائله، وانسياقه وراء بعض الشعارات الشعبوية لقواعده، وتشبثه بأفكاره القطعية وأحكامه المسبقة، وعدم وضوح رؤاه، وفي حالات أخرى سعيه إلى الغموض والتقية.

وهذه الأسباب كلها ما زالت موجودة، ولم تسلم منها حتى التجارب التي تتقدم اليوم في المغرب والأردن، وبالمقابل نجد أن أحد أهم سببين يقفان وراء فوز الإسلاميين في المغرب والأردن هو اعتمادهم سياسة براغماتية تتجنب المواجهة وفي نفس الوقت تحتكم إلى صناديق الاقتراع.

السبب الثاني هو عدم وجود بديل في الضفة الأخرى صاحب تصور اجتماعي قادر على المنافسة بالإقناع وعن طريق صناديق الاقتراع، وغياب “البديل” المستقل والحقيقي، أي النابع من وجدان الشعب، هو الذي يجعل الإسلاميين في مواجهة أو منافسة مع سلطات بلادهم التي تخشى من تقدمهم، وهذه المواجهة أو المنافسة تختلف من دولة إلى أخرى حسب السياقات والظروف، اتخذت طابعا دمويا في مصر وطابعا تنافسيا في تونس وطابعا أمنيا في الأردن وطابعا تحكميا في المغرب.

لذلك، فإن قيمة الانتصار الذي حققه الإسلام السياسي، اليوم، في المغرب والأردن تقاس بالتراجع الكبير لـهذا التيار السياسي في المنطقة العربية بسبب الثورات المضادة التي أجهضت تجاربه في مصر وتونس وليبيا واليمن. وتبرز دلالته من خلال سعيه إلى التأسيس لنموذجه في إدارة الشأن العام سواء من وراء إدارة دفة الحكم أو من خلال مقاعد المعارضة، وهذا ما يجعل المنطقة أمام “عهد إسلامي” قد يستمر لسنوات أو عقود، فما وصل إليه الإسلاميون اليوم في المغرب وتونس هو نتيجة سياسات طويلة الأمد ابتدأت منذ عدة عقود داخل المجتمع ومن داخل الدولة أيضا.

فخلال عقود طويلة استعانت الأنظمة المستبدة في أكثر من دولة عربية بالإسلاميين لوقف مد اليسار، وتغاضت عن أنشطتهم الدعوية، وغلبت تدريس المواد الدينية في برامجها التعليمية لاستئصال وقتل إيديولوجية اليساريين في مهدها.

في تصوري المتواضع، فإن هيمنة الإسلاميين سواء اليوم أو مستقبلا، لا تخدم الديمقراطية ولن تقدم الكثير إلى دولهم.

وإذا كان من سبب حقيقي لفوز الإسلاميين في المغرب والأردن، فهو طبيعة أنظمتهم السلطوية، التي مهدت الطريق أمامهم بالقضاء على خصومهم في الماضي، وعززت مصداقيتهم اليوم بمحاربتهم والوقوف أمام مدهم. أيضا، ساهمت مواقف “القوى” اليسارية والقومية والعلمانية والليبرالية في هذا الانتصار عندما انقطعت عن الشارع والتحقت بالسلطة لمواجهة “المد” الإسلامي.

ومهما تعددت الأسباب واختلفت المبررات فإن ما تحقق للإسلاميين اليوم في المغرب والأردن، هو نتيجة صناديق الاقتراع، التي لا يمكن لأي ديمقراطي أن يبخسها، ومن أراد أن يوقف هذا “المد” عليه أن يسلك نفس الطريق، ويعمل على أن يفتح الباب واسعا للمشاركة الشعبية حتى تصبح بالفعل صناديق الاقتراع المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب، والفيصل ما بين قوى المجتمع المتنافسة تحت شعار كبير يجمع الجميع هو: “الديمقراطية هي الحل”، لأن فيها البديل الحقيقي عن جمهوريات ومملكات الخوف التي تريد أن تحكم بترهيب الشعب من نفسه وتخويفه من تعبيراته التي ينتجها!

وفي تصوري المتواضع، فإن هيمنة الإسلاميين سواء اليوم أو مستقبلا، لا تخدم الديمقراطية ولن تقدم الكثير إلى دولهم، والشاهد على ما أقول هو التجربة التركية التي تعيش حالة “نكوص” بسبب تطلعات رجب طيب أردوغان الساعي إلى تنصيب نفسه “سلطانا” منتخبا على شعبه.

عن otman63

شاهد أيضاً

ساعات هزت المملكة.. 4 أحداث متوالية تضرب الرياض وتخطف أنظار العالم

شهدت السعودية خلال اليومين الماضيين أحداثاً جسيمة تلاحقت وتيرتها سريعاً، بدأت بإعلان رئيس الوزراء اللبناني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *